سبب فشل السينما العربية في تقديم أفلام الرعب

10/30/2018 9:52:19 AM







المشهد اليوم- حنان أمين سيف_

يعتقد البعض أنّ السينما العربية لم تتجه إلى تقديم أفلام الرعب في أي مرحلة، لكن الحقيقة أنّ السينما العربية – والمصرية على الأخص – قد قدمت تلك النوعية بكثرة خلال عقد الثمانينات، يكفي القول أنّ أفلام (الإنس والجن، التعويذة، البيت الملعون، كابوس، عاد لينتقم) تم تقديمها – إلى جانب أفلام أخرى – خلال الفترة ما بين 1985: 1989.

الأفلام المذكورة لا تمثل كامل إنتاج السينما العربية من أفلام الرعب، بل إنّ هناك العديد من الأعمال الأخرى التي تم إنتاجها على مدار العقود الماضية ابتداءً من الأربعينات وحتى العام الماضي، إلّا أنّها لم تحقق شعبيةً تذكر في الشارع العربي؛ وذلك لأنّها كادت أن تتسبب في إيقاف قلب المشاهد من “فرط الضحك”!.

فشلت السينما المصرية والعربية للآسف الشديد في استغلال الكنز المتاح لها والمتمثل في الملاحم الشعبية الكفيلة بتغذية صناعة السينما قرونًا من الزمان، بينما نجحت السينما الأمريكية في الاستفادة من الحكايات الشعبية والأساطير المتوارثة – رغم انتمائِها لأوروبا في الأصل – وقدمتها من خلال العديد من الأفلام المرعبة، وفي ذات السياق ولذات السبب – خلو جعبة هوليوود من التراث – استلهمت أغلب الأفلام الأسطورية والتاريخية من الميثولوجيا اليونانية وتاريخ الإمبراطورية الرومانية.

يشار هنا إلى أنّ المحاولات الأولى لتقديم أفلام الرعب في الغرب اعتمدت بصورة شبه كاملة على تلك الأساطير والخرافات، وكانت البداية من خلال الفيلم الفرنسي القصير The Devil’s Castle عام 1869، ثم الفيلم الألماني الطويل Nosferatu عام 1922، ومن ثم انتقلت تلك النوعية من الأفلام بحذافيرها إلى الولايات المتحدة، وتطورت على مدار عقود طويلة، وبالتالي فإنّ الأنماط المشتقة من سينما الرعب مثل أفلام الرعب النفسي أو أفلام الجريمة والرعب هي أنماط مستحدثة لم تظهر إلّا في وقتٍ متأخر جدًا.

اتسمت أغلب الأفلام العربية المصنفة كأفلام رعب بالركاكة وعدم التماسك علاوةً على أنّها جاءت في صورة هزلية، وقدمت بأسلوب نمطي خالي من أدنى محاولات الابتكار والتجديد، وبالطبع لن تتضمن الفقرات التالية مقارنةً بين مستوى أفلام الرعب العالمية ونظيرتها العربية، ورصد الاختلافات بين أداء النجم العالمي جاري أولدمان – بفيلم Dracula – والمطرب الشعبي أحمد عدوية – بفيلم أنياب – لشخصية مصاص الدماء!! … إنّما هي مجرد محاولة لرصد العوامل التي أدت إلى فشل أفلام الرعب العربية، وعدم تحقيقها نجاحًا يذكر على مدار أكثر من سبعين عامًا.

لعب الموروث الثقافي والشعبي دورًا بارزًا في زيادة معدلات إنتاج أفلام الرعب في السينما العالمية، وكذلك انخفاض معدلات إنتاج نفس النوع عربيًا، حيث أنّ جذور الحضارات العربية تمتد آلاف السنين في عمق الزمن، وبناءً على ذلك فإنّ موروثها يعتمد على الحقائق التاريخية التي تم المبالغة في تصوير بعضها مما أصبغ عليها طابع الأسطورة، ونتجت عن ذلك السير الشعبية مثل سيرة أبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد وغير ذلك من القصص الملحمية التي تتمحور حول البطولة والعزة والفداء، أمّا على الجانب الآخر نجد أنّ الحضارات الأوروبية عمرها قصير وموروثها الثقافي قائم بصورة أكبر على الأساطير والخرافات التي انتشر أغلبها خلال القرون الوسطى، ومنها أسطورة الكونت دراكولا والمستذئب وغيرها من الروايات التي تدور حول اللعنات والشياطين والقوى الظلامية.

تم اقتباس النسبة الأكبر من أفلام الرعب الأمريكية عن نصوص أدبية، وخاصةً مجموعة الأفلام التي تم إنتاجها ابتداءً من أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. يكفي القول بأنّ هناك قرابة 100 فيلمًا يستند إلى الإنتاج الأدبي لكاتب واحد هو الأمريكي الشهير ستيفن كينج!

يمكن القول أنّ قلة الإنتاج الأدبي العربي من روايات الرعب كان له أثرًا سلبيًا على صناعة السينما، وكان أحد الأسباب المباشرة في قلة أفلام الرعب التي تم تقديمها عربيًا، وكذلك سوء مستواها الفني مقارنةً بما جرى في الولايات المتحدة وأوروبا، ولا يمكن إلقاء اللوم هنا على الأدباء، حيث أنّ الأديب بطبيعته يستقي أفكاره من ثقافته الموروثة والحضارة التي ينتمي إليها، وبناءً على ذلك كان من الطبيعي أن يغلب الطابع الملحمي على الإنتاج الأدبي العربي حتى في ذروة ازدهاره، ولنفس السبب كان للرعب نصيب وافر من الإنتاج الأدبي الغربي بصفة عامة والأمريكي على وجه الخصوص.

تزايدت معدلات روايات الرعب العربية خلال السنوات الأخيرة، لكن من غير المتوقع أن يساهم ذلك في إثراء سينما الرعب في مصر والوطن العربي؛ نظرًا لأنّ النسبة الأكبر من تلك الروايات متأثرة بصورة كبيرة بالثقافة الغربية، وبالتالي في حالة تحويلها إلى أفلام سينمائية ستبدو كأنّها نسخ مشوهة من الأفلام الأمريكية، يستثنى من ذلك عدد قليل جدًا من الأدباء في مقدمتهم الدكتور أحمد خالد توفيق.

لنكن صادقين مع أنفسنا ومنصفين للقائمين على أفلام الرعب العربية، لابد أن نعترف بأنّ هناك العديد من القيود المفروضة على كُتّاب السيناريو والمخرجين العرب بعكس الكاتب الغربي الذي يتمتع بحرية شبه مطلقة، وتتضاعف تلك القيود حين يتطرق الكاتب لأمور شائكة – قد يرى البعض أنّها تتعلق بالدين – مثل الأمور الغيبية والعالم الآخر وغير ذلك.

يمكن ملاحظة ذلك بسهولة شديدة في ختام أغلب أفلام الرعب المصرية ابتداءً من فيلم سفير جهنم 1945 وحتى أفلام التسعينات، حيث كانت تلك الأفلام عادةً ما تتضمن ذكر آيات قرآنية صريحة، كما أنّ رسم شخصية البطل كان شبه ثابت فهو دائمًا ملتزم ديني، شديد التقوى ويتم التأكيد على ذلك ضمن الأحداث بصورة مفرطة تتنافى مع أبسط قواعد الإبداع الفني، أمّا إذا تم عكس الأمر وكان البطل هو نفسه الشرير فلابد من عكس الأمر بالتبعية وجعله شخصية ملحدة عديمة الإيمان.

يتخوف المبدعون العرب دائمًا من الصدام مع المؤسسات الدينية، حتى لو كان إنتاجهم الفني محض خيال، فقد يكون من غير المقبول لدى البعض تصوير مشاهد المس الشيطاني والصراع مع الجن واقتحام المجهول والاطلاع على المستقبل وإعادة الموتى للحياة وغيرها، وبالتالي نجد أنّ كاتب السيناريو العربي يتحرك دائمًا داخل حدود الإطار المرسوم له مسبقًا، وهذا بالتأكيد يُحجم إبداعه ويُحد من حريته في العرض والرصد وإيجاد التبريرات الخيالية، ويضطر إلى تطويع نصه لما يتوافق مع الثقافة العامة، ولا يثير غضب المحافظين وهذا بالطبع ينعكس على الصورة النهائية للعمل بالعديد من الصور السلبية.

كل ما سبق ذكره يبدو في ظاهره يعفي صُنّاع السينما العرب من مسؤولية الفشل الذريع الذي طال محاولات أفلام الرعب حتى الآن، لكن ذلك غير صحيح، حيث أنّ النسبة الأكبر من تلك الأعمال ما هي إلّا محاولة لتمصير عدد من أعمال الرعب الأمريكية، وبناءً على ذلك جاءت غير مبتكرة وخالية من أي تجديد يذكر بما ذلك مسلسلات الرعب التي تم إنتاجها مؤخرًا.

حاول عددٌ من صُنّاع السينما العرب خلال منتصف الثمانينات تقديم أعمال تضاهي الأعمال الأمريكية، متناسين الفرق الملحوظ في مستوى الإمكانيات والتقنيات المستخدمة في صناعة الخدع والمؤثرات البصرية والمكياج، وبناءً على ذلك ظهرت أغلب تلك الأعمال في صورة مضحكة، ولم ينج من ذلك الفخ سوى عدد قليل من الأفلام التي تجنبت تنفيذ أي مشاهد تعتمد بصورة كاملة على الخدع البصرية مثل الإنس والجن لعادل إمام ويسرا.

كان الأمر في الماضي يقتصر على اقتباس أساليب تنفيذ المشاهد ومظهر القوى الشريرة، لكن في السنوات الأخيرة ظهرت بعض المحاولات الفاشلة التي حاولت اقتباس القصص نفسها وعلى رأسها فيلم “كامب” الذي تم إنتاجه في 2008 للمؤلف هيثم وحيد والمخرج عبد العزيز حشاد، والذي تدور أحداثه حول مجموعة من الشباب يتوجهون إلى أحد المعسكرات المنعزلة للاحتفال بالتخرج، ومن ثم تبدأ الأحداث المرعبة ويواجهون خطرًا مميتًا …

تم استهلاك تلك الحبكة مرات ومرات حتى أنّ السينما الأمريكية نفسها لم تعد تعتمد عليها كونها فقدت بريقها، ولم تعد تجذب المشاهدين، حتى أنّ المخرج درو جودارد حين قدم فيلمه The Cabin in Woods والذي يقوم على حدث مشابه وضع على البوستر الدعائي الخاص به عبارة “You Think you Know the Story – أنت تعتقد أنّك تعرف القصة” في محاولة منه للتأكيد على أنّ فيلمه يتضمن حبكةً مختلفةً عن تلك المكررة والمستهلكة، والتي أصبح الجمهور ينفر منها.

لم يكن الفشل الذريع مصير كافة الأفلام العربية التي دارت أحداثها في أجواء مرعبة، بل تم تقديم عدد من أفلام الرعب العربية التي لاقت استحسانًا من الجماهير والنقاد، وقد كانت السينما المغربية صاحبة الريادة في هذا النمط السينمائي، حيث أنّ الأفلام التي قدمتها  -رغم قلتها- يمكن وصفها بالجيدة ومنها فيلم قنديشة في عام 2008.

فيما يخص السينما المصرية فهي الأخرى قد قدمت عددًا من الأفلام المقبولة منها فيلم الرقص مع الشيطان بطولة نور الشريف، وتأليف محمد خليل الزهار وإخراج علاء محجوب، وفيلم استغاثة من العالم الآخر بطولة نور الشريف وبوسي وتأليف أحمد عبد الرحمن وإخراج محمد حسيب، وفيلم أحلام حقيقية بطولة حنان ترك وخالد صالح تأليف محمد دياب وإخراج محمد جمعة … العامل المشترك بين تلك الأفلام هو أنّ صُنّاعها لم يضعوا الرعب على رأس أولوياتهم، بل كان الرعب هنا أثرًا جانبيًا فرضته طبيعة الأحداث والأجواء التي بها الفيلم.

تكمن روعة تلك الأفلام في تفادي السقوط في فخ النسخ والتقليد من السينما الأمريكية، حيث أنّها لم تتطرق إلى اللعنات والسحر الأسود وعالم مصاصي الدماء، بل إنّها لم تجعل من إخافة المشاهد هدفًا رئيسيًا لها، فالرعب في تلك الأعمال وسيلة وليس غاية، حاول الكُتّاب والمخرجون من خلاله جذب انتباه المشاهد ودفع الأحداث الدرامية للأمام، وبالطبع اعترافك بمدى نجاح تلك الأعمال يتوقف على تعريفك الخاص لمفهوم أفلام الرعب، فإن كنت ترى أنّها تلك الأعمال التي تحبس الأنفاس وتحتوي على الكثير من المشاهد الدموية، فعلى الأرجح لن تنال تلك الأفلام إعجابك أو على أقل تقدير لن ترى أنّها تستحق تصنيف أفلام رعب، أمّا إذا كنت ترى أفلام الرعب هي تلك الأفلام التي تبقي المشاهد في حالة توجس وتوتر وترقب من خطر مجهول، فسترى أنّها قد نجحت بجدارة في تحقيق ذلك.

السؤال الأهم والمُلح والواجب طرحه في النهاية … هل السينما المصرية والعربية في حاجة إلى تكرار التجربة وإنتاج أفلام الرعب مرة أخرى؟ … لا يمكن الإجابة على ذلك السؤال سواءً بنعم أو لا، فمن حق أي شخص أن يقيم الأعمال الفنية بعد مشاهدتها، لكن لا يحق له الحجر المسبق على رؤية أي مبدع يرى في نفسه القدرة على تقديم أفلام من أي نوع.

لكن يمكننا القول بأنّنا لسنا في حاجة إلى إرهاب الجماهير، فالرعب في الأفلام لا يجب أن يكون غايةً، بل هو مجرد وسيلة لعرض القصة وتقديم الرسالة والمضمون الذي تحمله، ولعل خير مثال على ذلك هو فيلم IT الذي تم عرضه قبل فترة قصيرة، والذي حقق نجاحًا جماهيريًا ساحقًا وحظي بإشادة كبيرة من النقاد.

كذلك علينا مصارحة أنفسنا بأنّ تقليد الفيلم الجيد لا يؤدي إلى صناعة فيلم جيد! … لسنا في حاجة إلى تقليد السينما العالمية لنصبح عالميين، وأنّ أغلب الأعمال الفنية العربية والمصرية  – سواءً سينمائية أو أدبية – التي حققت نجاحًا بالخارج كانت مستغرقةً في المحلية، مثل: فيلم اشتباك للمخرج محمد دياب، وفيلم زوجة رجل مهم للمخرج محمد خان، وفيلم الأرض للمخرج يوسف شاهين، وكذلك روايات نجيب محفوظ التي ترجمت لعشرات اللغات وكانت أحداثها تدور داخل حارة بسيطة.

بلغت السينما المصرية ذروة تألّقها في الخمسينات والستينات بفضل حفاظها على هويتها المستقلة وطابعها الخاص، والخلاصة أنّ هناك فرق شاسع بين تقديم أفلام عربية وبين تقديم أفلام أمريكية ناطقة بالعربية!! …

سوشيال

تابعونا على جميع الوسائل الاكترونية الاعلامية

مقالات الرأى