آخر الأخبار

مصير النيوليبرالية إلي أين بعد الجائحة

0

مصير النيوليبرالية إلي أين بعد الجائحة

 

تقديم الكاتب والباحث الدكتور/ مازن النجار

هل ستتحقق «نبوءة» أو قراءات أولئك الذين يتوقعون نهاية النيوليبرالية في ضوء كل ما حدث لها وللعالم بسببها؟
إخفاقات منيت بها تطبيقات النيوليبرالية أظهرتها على نحو فاقع جائحة «كورونا» في أكثر البلدان اعتناقا وتطبيقا.
هل أفل عصر النيوليبرالية نتيجة آثار مدمرة خلفتها الجائحة الاقتصادية العالمية العظمى على الاقتصاد العالمي؟
شبه إجماع على أن عصر النيوليبرالية الذي امتد أربعة عقود آذن بالأفول انطلاقاً من قراءات موضوعية وبأسانيد تأشيرية.
* * *

منذ أن بدأت «مفاعيل» جائحة كورونا «تعطي ثمارها» (المسمومة بطبيعة الحال)، متجسدة في إحداث شلل شبه كامل في عصب وأطراف الاقتصادات الوطنية حول العالم، والآراء والكتابات بشأن النظام الاقتصادي الدولي ومؤسساته الحاكمة، المستندة إلى تطبيقات الـ«نيوليبرالية»، لم تتوقف عن التدفق على وسائط الإعلام المختلفة، لاسيما في الدول المتقدمة، ومن بينها آراء لبعض كبار المفكرين الاقتصاديين في الغرب، والشرق.

وهي آراء تكاد تُجمع على أن عصر الليبرالية الجديدة الذي امتد زهاء أربعة عقود، قد آذن بالأفول، انطلاقاً من قراءات لا تنقصها الموضوعية، ولا الأسانيد التأشيرية.

وكنت قد تناولت في مقال سابق حمل عنوان «حصاد أربعة عقود من تطبيقات النيوليبرالية»، بعض جوانب الإخفاقات التي منيت بها تطبيقات هذه المدرسة، وأظهرتها على نحو فاقع جائحة «كورونا» في أكثر البلدان اعتناقاً وتطبيقاً «لروشتتها».

لكنني أنهيت المقال بشيء من التحفظ على ما ذهبت إليه آراء وكتابات المتفائلين التي رجَّحت–في ضوء ذلك– أفول عصر النيوليبرالية نتيجة للآثار المدمرة التي خلفتها الجائحة الاقتصادية العالمية العظمى على الاقتصاد العالمي.

لا جدال إطلاقاً في أن النيوليبرالية قد تسببت، حتى من قبل اندلاع جائحة كورونا، بعملية فرز واستقطاب اجتماعي غير مسبوق في التاريخ داخل مجتمعاتها؛ من حيث تسببها بتعميق فجوة اللامساواة التي صارت عنواناً ومحوراً لكل اهتمامات وكتابات كبار الاقتصاديين في العالم.

أقطاب التيار الديمقراطي الليبرالي

وفيهم أقطاب كبار محسوبون على التيار الديمقراطي الليبرالي في الغرب، مثل الاقتصاديين الأمريكيين الكينزيين الحائزين على نوبل في الاقتصاد، بول كروغمان، وجوزيف ستغلتز.

وقد عادا لرفع الصوت من جديد في محاولة لاستعادة المواقع التي فقدتها الكينزية، أولاً لمصلحة النيوكلاسيكية، منتصف سبعينات القرن الماضي، ومن بعد نسختها النيوليبرالية الأمريكية والبريطانية (ريغانوميكس وتاتشريزم)، مطلع ثمانينات القرن الماضي.

كما فشلت «النيوليبرالية» فشلاً ذريعاً وخطيراً في استخلاص دروس الأزمة المالية/الاقتصادية العالمية لعام 2008، وإعادة التوازن في تطبيقاتها باستعادة البعد الاجتماعي الذي أسقطته نهائياً من نموذجها الامبريقي. بل إنها وصلت في هذا الفشل، كما تابعنا، حدّ التنكر للطور المتقدم الذي أسهمت في إنضاجه، وهو العولمة، والانسحاب من مؤسساتها.

فهل ستتحقق «نبوءة»، أو قراءات أولئك الذين يتوقعون نهاية النيوليبرالية في ضوء كل ما حدث لها، وللعالم، بسببها؟

المسار التطبيقي «للروشتات» الاقتصادية

أولاً، علينا أن نسلم بأن تغيير المسار التنظيري والتطبيقي «للروشتات» الاقتصادية السائدة في العالم، يتطلب حدوث مثل هذا التغيير في الولايات المتحدة أولاً، باعتبارها القوة المهيمنة على مفاتيح التوجهات السياسية الاقتصادية الكلية في العالم، تليها بعض كبريات الدول الرأسمالية في أوروبا التي تشكل القوة الرئيسية الثانية التي تستحوذ على مصادر صنع القرار في مؤسسات النظام الاقتصادي العالمي.
فإذا نجحت القوى المنافسة للنيوليبرالية في هذين المركزين الاقتصاديين الكبيرين، وهي هنا الكينزية (بنسختها الأصلية وليس بنسختها المُحدَّثة Neo-Keynesianism التي لم تعد تهتم بالتوظيف الكامل ولا بتدخل الدولة في الاقتصاد على أساس أن الأسواق لا تصحح نفسها بنفسها، بحسب مؤسس النظرية «جون مينارد كينز».

وإنما صارت تحصر اهتمامها في النمو والاستقرار الاقتصادي، إلى أن أضحت أقرب الى الكلاسيكية الجديدة بنسختها النيوليبرالية المتشددة منها الى النسخة الكينزية الأصلية، خصوصًا فيما يتعلق ببرامج الإنفاق الحكومية المحققة للبعد الاجتماعي للتنمية)– نقول إذا نجحت تلك القوى في ذلك، فعندئذ ستكون تلك بداية أفول النيوليبرالية.

مع جدير الملاحظة هاهنا، بأن «الكينزية الجديدة» تمت صياغتها وتطويرها في الولايات المتحدة أولاً، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتم «شحنها» إلى أوروبا، ومنها إلى بقية العالم.

مع ذلك، فإذا كان صحيحاً أنه بعد كل أزمة اقتصادية هيكلية عالمية (كأزمة الكساد العظيم 1929-1933)، وأزمة الركود التضخمي Stagflation (مزيج من بطء النمو وارتفاع الأسعار بسرعة) في سبعينات القرن الماضي، والتي كانت سبباً في إطاحة الكينزية من على عرش برامج الحكومات والأحزاب الغربية، وتعبيد الطريق أمام صعود النيوليبرالية– تزداد فرص استبدال السياسات والتوجهات الاقتصادية السائدة بأخرى تلحظ أهمية التوازن بين البعيدين الاقتصادي والاجتماعي للتنمية..

الفقراء ما بعد جائحة كورونا

وصحيح أيضاً أن مئات الملايين من البشر سوف ينفرزون طبقياً، وينحدرون من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة (الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، حذر يوم الخميس 9 يوليو/ تموز 2020، من أن جائحة كورونا قد تضيف إلى الفقراء 45 مليون فقير جديد في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي فقط)– ما سوف يدفع هؤلاء المهمشين «الجدد» للإتيان في الانتخابات بأحزاب ذات برامج اقتصادية اجتماعية مضادة للنيوليبرالية في بلدانهم.

لكن، في المقابل، فإن هذه الدول لن تستطيع الصمود طويلاً في وجه النظام المالي والنقدي الذي لا يزال يسيطر بالولايات المتحدة، التي ستعمل، على إعادة أحزاب اليمين ببرامجها النيوليبرالية الى السلطة ثانية، كما حدث في البرازيل، والأرجنتين، والاكوادور، وما هو حادث حالياً لفنزويلا، وغيرها من البلدان.

بديل العملة الأمريكية

فالحال، أن البديل للعملة الأمريكية (الدولار)، المُعتَرَف بوظائفها الأساسية، كوحدة لقياس القيمة، وكعملة تداول دولية، وعملة دفع دولية، وعملة احتياط واكتناز دولية، يدعمها نظام سويفت (SWIFT) لتسوية المعاملات البنكية الدولية، الذي يقع هو الآخر تحت سيطرة واشنطن–هذا البديل لم ينضج بعد.

المؤسسات الدولية الناظمة للحركة الاقتصادية العالمية

كما أن بديل المؤسسات الدولية الناظمة للحركة الاقتصادية العالمية، التي لا تزال هي الأخرى واقعة تحت السيطرة الكاملة للولايات المتحدة–هو الآخر لم ينضج بعد.

بل إن الولايات المتحدة التي استشعرت خطر قرب زوال هيمنتها، قد تحولت للهجوم الضاري على كل الجبهات، وانتقلت إلى طور جديد في إدارة العالم اعتماداً على نفسها، وعلى قوانينها ومؤسساتها، والأخرى الخاضعة لها؛ تسندها في ذلك أرمادا عسكرية متواجدة في كل بقاع الأرض.

لذلك، فإن الليبرالية الجديدة، إذا كانت ستتراجع، فسيحدث ذلك من تلقاء نفسها عبر التكتيك التراجعي الاضطراري، وبما يخدم مصالحها، على طريقة الانسحابات التكتيكية من المواقع في جولات الحروب الممتدة، وليس تحت أي ضغط شعبي، (أو حتى نخبوي).

 

* د. محمد الصياد كاتب صحفي اقتصادي من البحرين

[cov2019]