رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب.. خداع سياسي

0

رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب.. خداع سياسي

كان على حكومة السودان الانتقالية مطالبة أمريكا بتعويضات على جرائم ارتكبتها ضد السودان وشعبه وليس العكس.
المفاوض الضعيف يضع بلاده في وضع قانوني حرج بل يضع نفسه بسذاجة في وضع لا يحسد عليه كما هو حال بعض وزراء اليوم.
عادت الحكومة للقول بأن السودان لم يكن متورطاً في الإرهاب لا في أحداث 11 سبتمبر ولا المدمرة كول ولا حتى تفجيرات كينيا وتنزانيا.
وهذا يعني عدم تورط النظام السابق في كل هذه العمليات الإرهابية «حسب دفوعات الحكومة الانتقالية هذه الأيام، بما يتناقض مع تصريحاتها السابقة».
* * *

تقديم الكاتب اشرف السعدنى

بعض المسؤولين السودانيين وبالطبع لا أعمم  يتحدثون بسذاجة عندما يريد أحدهم أن يمارس خداع الساسة في السياسة، مع شعب وشباب الثورة السودانية، لإقناعهم بعبقرية زائفة عنوانها العطاء والإنجاز «المتوفر لدى كفاءات حكومة الثورة».

حيث يقول هذا النوع من المسؤولين إن الحكومة البائدة هي التي وضعت السودان في كل قوائم الإرهاب والعقوبات الأمريكية «الجائرة» بفعل سياساتها الخاطئة تجاه العالم، وهذا عندما يريدون أن يثبتوا لرعاياهم، والعالم، حجم العطاء والجهد الذي بذلوه خلال الفترة الماضية في سبيل رفع العقوبات، وتغيير صورة السودان، برفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

والآن، بعد أن قررت الولايات المتحدة «بمزاجها» رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأعادت للدولة المظلومة بعضاً من حصانتها السيادية (بعيداً عن قضايا أحداث 11 أيلول/سبتمبر)، عادت الحكومة السودانية نفسها للقول بأن السودان لم يكن متورطاً في يوم من الأيام في الإرهاب، لا في أحداث 11 سبتمبر، ولا المدمرة كول، ولا حتى تفجيرات كينيا وتنزانيا، وهذا يعني عدم تورط النظام السابق في كل هذه العمليات الإرهابية «حسب دفوعات الحكومة الانتقالية هذه الأيام، بما يتناقض مع تصريحاتها السابقة».

علماً أن الحكومة الانتقالية في السودان دفعت تعويضات بمئات الملايين من الدولارات لعائلات ضحايا الهجوم على المدمرة «يو أس أس كول»، وعائلات ضحايا الهجمات على سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، وفي ذلك إقرار صريح وواضح بالجرم، يتنافى مع تصريحات القائمين على أمر الحكومة حالياً.

الحقيقة التي لا تحتمل الاصطفافات ولا مداهنة المسؤولين هي، أن على الحكومة الانتقالية أن تفهم، أن قرارات فرض العقوبات الأمريكية الظالمة على السودان لا علاقة لها بأي فعل إجرامي حقيقي مارسه السودان، أو أي مواطن سوداني!

وإنما كان الهدف غير المعلن هو تركيع وتدمير السودان «مرحلياً» وليس حكومة الإنقاذ المعزولة، باعتبار أن السودان في نظر أمريكا كان ومازال، رقعة جغرافية تحت دائرة النفوذ الاستعماري الغربي، وتمتلك مخزونا استراتيجيا للموارد الطبيعية.

وأمريكا هي من تقرر متى يتم استخراجها واستغلالها لمصلحة شعب الولايات المتحدة الأمريكية، وليس الشعب السوداني، والآن ربما وجدت أمريكا بيئة صالحة شبيهة بما ذكرته سابقاً مستشارة الأمن القومي السابقة سوزان رايس في كتاباتها عن السودان، أن لأمريكا أنصارا في السودان في الداخل والخارج–ولا أقول إنهم عملاء كما يروّج البعض– لكن رايس قالت إنهم ساعدوا أمريكا في تحقيق سياساتها، أي أجنداتها.

واليوم ربما تجني أمريكا ثمار مطامعها في ظل هذه السيولة الوطنية والهشاشة التي تنتهج لتفكيك وحدة النسيج الوطني السوداني. المطلوب حالياً هو أن تحترم الحكومة الانتقالية عقول شعبها بعدم الحديث بلسانين «وحسب الضرورة في الخطاب السياسي المغازل لمشاعر الثوار».

والشاهد أنها تتحدث مرة عن أن النظام السابق كانت أفعاله وراء فرض العقوبات، ومرة تقول إن السودان لم يتورط في كل قضايا الإرهاب.

الثابت والواضح للمتابع أن الحكومة الانتقالية تواجه الآن قضايا تحتاج دفوعات قانونية أمام رعايا أمريكان، لا علاقة لهم بسياسات دولتهم الرسمية في البيت الأبيض والأجهزة الأمنية، علماً بأنهم استندوا في الأساس إلى شهادات بعض أعضاء الحكومة الحالية، إبان فترة خصومتهم مع النظام البائد، وهذه القضايا ربما تكلف السودان أيضا مئات الملايين من الدولارات، وربما المليارات.

ونعلم أن السودان أقر في بيان رسمي صادر عن وزارة العدل، بأنه ملتزم بالظهور أمام المحاكم الأمريكية والدفاع عن نفسه في القضايا القائمة حاليا، لإثبات عدم علاقته بأحداث 11 سبتمبر وبراءته من هذه الاتهامات «غير المؤسسة»، حسب وصف الوزارة.

الواقع الذي تتهرب منه الحكومة الانتقالية هو أن بعض من يمثلونها اليوم شهدوا سابقاً فِي أروقة الكونغرس ودوائر صناعة القرار السياسي الأمريكي ضد مصالح الشعب السوداني، وظلوا لسنوات طويلة يبررون لأمريكا فرض عقوباتها– الجائرة– بسبب شهادات دافعها المكايدة السياسية.

وهنا أقلها كان يجب على هؤلاء الاعتذار للشعب السوداني نفسه، الذي يحاولون اليوم خداعه، أو ربما أهون لهم أن يصمتوا عن ممارسة هذا النوع من الخداع، لأنه وبإيجاز الصمت أولى مع الذاكرة الوطنية المتقدة.

الحقيقة التي لا ريب فيها تقول إن أمريكا دولة ظالمة، والشعب السوداني شعب مسالم، ولا يعرف الإرهاب، رغم أنف السياسات الأمريكية التي أضرت بمصالح الشعوب في الكثير من البلدان، وليس السودان فحسب.

لذا كان يجب على الحكومة الانتقالية في السودان أن تطالب أمريكا بتعويضات على جرائمها، التي ارتكبتها بفعل حصارها الجائر في حق السودان وشعبه وليس العكس، وذلك مقابل موت الأطفال والنساء والكهول بفعل الحروب التي كانت نتاجا مباشرا للحصار الذي مارسته الولايات المتحدة على السودان من دون مسوغات قانونية أو منطقية أو أخلاقية.

لكن للأسف المفاوض الضعيف عادة ما يضع بلاده في هذا الوضع القانوني الحرج، والأدهى أنه يضع نفسه أيضاً بسذاجة في وضع لا يحسد عليه، كما هو حال بعض وزراء اليوم.

* خالد الاعيسر كاتب صحفي سوداني

 

[cov2019]